الفلبين ديمقراطية أم استبداد سياسى ؟!

مقالات
Typography

بقلم : محمد الحاذق بن محمود
فى أقطار كثيرة نجد دعاة الديمقراطية والحرية متحمسين رافعى الرؤوس فخرا وظلوا ناشطين للدعوة إليها خصوصا فى أقطار المسلمين والأقليات المسلمة فى أمصار ما على وجه أخص ، مع ظنهم بأن أبواب الديمقراطية إذا فتحت مصاريعها فستدور العالم بأيديهم القذر بتلك الديمقراطية وحرية إعتناق الدين والحقوق الإنسانية العامة التى دعوا إليها وإن المسلمين سوف يؤثرون الحرية الدنيوية ويشردون عن هويتهم الإسلامى ، فيُذبَحون جماعية ويشردون معظمهم ويسلب منهم الحقوق بهذه الدعوة الحاقدة ، وهكذا .

نحن لم نعارض الحرية التى يدعون إليها طالما الأمر موافق لطبيعة القانون البشرى وباعتبارها رمزا للكرامة الإنسانية لكن الواقع أنه ليس هنالك إهتمام بدعواهم الديمقراطية لذاتها وإنما إهتمام بتنفيذ سياساتهم المستبدة وتشريد الناس عن هويتهم الإسلامى وتخليهم عن حقوقهم المقررة ، بيد أن المسلمين الواعين لم يزدهم إلا إيمانا وتثبيتا بإسلاميتهم فتبين لهم أن دعوتهم أدعى للمسلمين بل ولغير المسلمين إلى فهم الإسلام حيث أسلم عدد كبير من أبناءهم ، فعندما يجدون النتيجة المعاكسة لما يتوقعون فيتنكرون ويحاربون الديمقراطية ويأمرون بنقضها ، فترى المسلمين اليوم فى أقطار كثيرة تهدرت حرماتهم وحقوقهم وإذا أبدوا مقاومة لرد الإعتداء فيقال لهم " إرهاب ! ! ! " .
الإسلام والحرية :
إن دعوة الإسلام إلى الحرية ظلت منذ بعثة الأنبياء والرسل ولم يكن فى تعاليمه إنتهاك الحرية للآخرين بل أنه قد نبه البشرية بأمرَين ؛ 1) : تبصير الله عباده بهوياتهم { إِنْ كـُلُّ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إلآ ءاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا ، لـَقـَدْ أحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } ( مريم : 93- 94) وتبصيرهم بمآل ووقوفهم بين يديه يوم القيامة للحساب {..فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } ( حديث قدسى ) . 2 ) ثم أثبت لهم الحرية العامة كما نص القرآن الكريم بقوله تعالى { وَلوَ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِى الأرْض كـُلـُّهُمْ جَمِيعًا أفـَأنْتَ تـُكـْرِهُ النـَّاسَ حَتَّى يَكـُونـُوا مُؤْمِنِينَ } ( يونس: 99 ) وقال { وَقـُلِ الحَقّ ُمِن رَبِّكـُم فـَمَنْ شَاءَ فـَلـْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فـَلـْيَكـْفـُر } ( الكهف: 29 ) وقال { فـَذكـِّرْ إنـَّمَا أنـْتَ مُذكـِّرٌ ، لـَسْتَ عَلـَيْهـِمْ بـِمُصَيْطِرٍ } (الغاشية : 21-22 ) بلغتهم الدعوة وسمعوا النذير وعرفوا المآل فــ { لـَكـُمْ دِينـُكـُم وَلِىَ دِين } ( الكافرون :).
هكذا ، الحرية ( الديمقراطية ) التى دعى إليها الإسلام ، دعوة إلى الحرية تارة ودعوة إلى التقيد من هذه الحرية تارة أخرى ، وتحت مظلة هذه الحرية انتشر الإسلام وانتشر الإستقرار فى العالم الإسلامى وانتشرت القناعة بدين الله تعالى ، وفى ساحاتها يلتزم المسلم بأوامر ربه الذى عرف هويته من خلالها . وفى تلك الحالة تحول مكرهم الحاقد إلى معاداة ومحاربة الحرية والديمقراطية المليئة بالأكذوبة التى دعوا إليها وكأن الخرافات الساحرة تحولت إلى الحقيقة . . . !
عبيد المستبدين :
بينما الإمبراطور العملاق تتغطرس وتحاول العالم أن تدور باستبدادها السياسى فترى عباد الصعاليك السفهاء تتنافس بلقيمة وزعت كالكلاب الجائع ، والإستبداد أي كان مع اختلاف العصور صنف واحد فهو لا يريد السلام والحرية إطلاقا ، والفلبين الذى كان دولة مسلمة قبل الإحتلال لم يأمن شعبها من الإضطهاد وبطش المستبدين منذ أن تدفق الإستعمار الصيلبى حتى فى عصرنا الحاضر فإن الإستبداد الذى زرعه الإحتلال أصبحت تتداول مجرى الدم ، لا سيما فى منداناو فإنه لم يذق طعم السلام والإستقرار يوما منذ ذلك الحين وأصبحت المنطقة ساحة للحرب فى شرق آسيا .
الإستبداد والتغطرس الفلبينى مع فرض الحكم المطلق على شعبها خصوصا على شعب مورو المجاهد هى التى علمت الشعوب بالتطرف والتمرد وامتن لهم الفرصة فى تشكيل الجماعات المقاومة فإن { الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها } - حديث شريف – وإن " بدء الهجوم إيقاظ لعملاق نائم " ، فاستبداد الحكومة الفلبينية هى التى دفع المسلمون كذلك إلى تأسيس الجبهة الإسلامية لمقاومة العدوان ضدهم ، بيد أن اضطهاد الحكومة ضد شعبها الفلبينيى أخف مما تقترفها ضد شعب مورو المحتل حيث لم يرو لنا التاريخ عن مجزرة ارتكبتها ضد المسيحيين نفسها ، لكن الشعب مورو داخل البلاد وخارجه لا سيما طلبة العلم فى الدول العربية والإسلامية لم يستطع التخلص من هذا البطش المتواصل أينما يكونوا ، فمن المفروض إن لم يقدم لهم الدعم المادى والمنحة الدراسية من قبل الحكومة فعلى الأقل أن يسهل لهم الإجراءات فى متطلباتهم الدراسى ويعامَلوا برفق .
ديمقراطية ضد الدستور :
إن حل النزاع المسلح فى منداناو لا يحتاج إلى عبقرية العقل ولا فصاحة الكلام فإن جذور القضية تتمحور بما يسمى بـ "حق تقرير المصير" الذى نصت به الدستور الفلبينى عام 1987 والمعترف به لدى القانون الدولى كحقوق شرعية التى تستحقها الأقليات ، وإن { لكل داء دواء } – حديث شريف – فالسلام والإستقرار ليس مستحيلا فى منداناو مهما بلغت حدة النزاع المسلح ولكن بقلة الإرادة السياسية من قبل الحكومة الفلبينية وفقدان جديتها فى عملية السلام ستظل منداناو فى حوض الظلام الدامس تتلظى بنيران الإستبداد السياسى فإن الحل السلمى لن يبلغه طرف واحد بل من خلال العمل الدؤوب المشترك بين الجانبين ، وجدير بالذكر بأن المحكمة العليا الفلبينية تواطأت من خلال تجميد توقيع الإتفاقية التى توصل إليها الجانبان خلال 11 عاما من عملية المفاوضة استجابة بدعوى مقدمة من قبل السياسيين المسيحيين فأصدرت قرارا فى اللحظة الأخيرة بعدم دستوريتها وزعمت أن ذلك التجميد صورة أمثل فى الديمقراطية حيث أنها تستمع إلى نداء شعبها مطالبين بمراجعة الإتفاقيات وإجراء الإستفتاء العام عن هذا الإطار.
كانت الجبهة الإسلامية وشعب مورو بأسره خلال 11 سنة فى المفاوضة مع الحكومة الفلبينية تأمل وتطالب بإيجاد حل سلمى للصراع فى البلاد لكن الحكومة الفلبينية تجاهلت تلك المطالب وكأن مفاوضى الحكومة الذين يتفاوضون مع مفاوضى الجبهة الإسلامية غير ممثلين شرعيين من قبل ديمقراطية الحكومة ، ومن العجيب أنها تدّعى الديمقراطية لأجل تنفيذ سياستها المستبدة ضد المسلمين وهى تؤثر على أرواح شعبها على مطامعها التافهة وكأن الديمقراطية أصبحت قوة تستخدمها للدفاع عن مصالحها الخلسة ، وليس عجبا للدولة تصحيح مسارها وهويتها السياسية لتتيح فرصة العدالة والديمقراطية الحقيقية والسلام الدائم والحرية العامة التى تنبثق من بيئة أكلها الظلام المتوحش منذ العقود ولعل أخطاء التاريخ لم تعد لها فيعيش المجتمع بالإستقرار والأمان والحرية ، ويا ليت للفلبين أن تفعل ذلك لكن هيهات هيهات .
شعب مورو المجاهد :
وجدير بالذكر أن شعب مورو يكاد يحتشد كل يوم بالملايين فردا خلال العقود الماضية تطالب حقوقها من خلال "حق تقرير المصير" حتى جلس فى المفاوضة لبحث حل سلمى للمشكلة بيد أن أبناء الإستبداد ستظل مستبدين ويستحال أن تتحول الثعبان إلى الهرة ، وكل تلك الانتهاكات من قبل الحكومة تدل بأن فى الفلبين ليس هنالك مكان للأقلية المسلمة فهى لا تبالى بانتهاكات ضد دستورها طمعا فى مصالحها وهى لا تريد الحرية والسلام ليتمتع بها أهل منداناو ، فكان ذلك كله يعد تشجيعا لأبناء الشعب المجاهد إلى مواصلة الكفاح لنيل حق تقرير المصير .
ومما جرت بغزة الحبيبة فى الأمس القريب درس هام للمقاومين ومطالبى الحقوق بل ولكل أقليات محاصَرة فى كل الأقطار المعمورة بأن دعاة الديمقراطية الساحرة وعبادها السفهاء لن تتدخل فى أوضاعهم القاسية ولن يتخذوا موقفا نحوها إلا بعد أن تسقط آلافا من القتلى ، وإذا وقع أخوهم فى دائرة الخطر والهزيمة فسيستعجلون بوقف إطلاق النار ليقع العالم فى سحرهم نحو إنقاذ الوضع ويطفئون الحريق إذا ما اقتربت بهم وهكذا يفعلون ، أعاذ الله منها شعب مورو الصامد وجميع المقاومين والمحاصرين فى أنحاء العالم { إنَّمَا أشـْكـُو بَثـِّى وَحُزْنِى إِلىَ الله } ( يوسف : 86 ) .