بهة مورو الإسلامية.. مسيرة الحرب والسلام

مقالات
Typography

خديجة الزغيمي 11-07-2009
المصدر:  http://islamyoon.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=...
أعضاء في جبهة تحرير مورو يؤدون الصلاة
"مورو" هو الاسم الذي أطلقه المحتلون الإسبان على مسلمي الفلبين الذين ظلوا منذ ذلك الحين يستخدمونه للتعريف بأنفسهم، ويتركز مسلمو الفلبين في الجنوب في جزر ميندناو وسولو، وتمثل مناطقهم أكثر بقليل من ثلث مساحة الفلبين.

دخل الإسلام الفلبين منذ أوائل القرن الرابع عشر على أيدي التجار والدعاة المسلمين، ونشأ حكم إسلامي في عدد من الجزر الجنوبية، وأدت مقاومة المسلمين للاحتلال الإسباني إلى الانحسار التدريجي للحكم الإسلامي، ثم قام الاستعمار الأمريكي بضم الجنوب المسلم إلى الشمال قبل أن يمنح الفلبين استقلالها عام 1946.
وقامت الحكومة الفلبينية بتوطين الآلاف من المسيحيين في الجنوب؛ ما أدى إلى تحول المسلمين فيه إلى أقلية تمثل حوالي 20% من السكان بعد أن كانوا يمثلون 98% بداية القرن العشرين، هذا بالإضافة إلى فقدان عدد كبير من المسلمين لأراضيهم نتيجة لقانون صدر عام 1936 تملكت الدولة بموجبه أراضي المسلمين ثم وزعتها على المستوطنين، وهكذا بعد أن كان المسلمون يمتلكون كل أراضي ميندناو أصبحوا اليوم ينتشرون على 17% فقط من أراضي أجدادهم.
كما كون المستوطنون المسيحيون في الجنوب تنظيمات مسلحة بدأت باستهداف المسلمين؛ ما أدى في النهاية إلى تأسيس المقاومة الموروية عام 1968 للمطالبة باستقلال شعب مورو عن الفلبين.
المقاومة الموروية
ضمت المقاومة تيارًا وطنيًّا برئاسة نور ميسواري، وتيارًا ذا توجه إسلامي برئاسة سلامات هاشم.. درس عدد من أعضائه في الأزهر، وتأثروا بأدبيات الإخوان وكتابات سيد قطب والمودودي، وفيما بعد سافر عدد من المقاومين المورويين إلى خارج الفلبين؛ مما أدى لتأثرهم بتيارات إسلامية أخرى خاصة الفكر السلفي الوهابي الذي تأثر به من درس منهم في السعودية، كما أن مشاركة عدد منهم في الجهاد الأفغاني أدى إلى تأثرهم بالفكر السلفي الجهادي.
الجبهة الوطنية والجبهة الإسلامية
وفي عام 1972 كوّن التياران الجبهة الوطنية لتحرير مورو برئاسة ميسواري الذي وافق على مطلب التيار الإسلامي بتطبيق مبادئ الإسلام، ولكن ما لبث الإسلاميون عام 1977 أن انفصلوا وأسسوا جبهة تحرير مورو الإسلامية بزعامة سلامات هاشم خريج كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وأرجع سلامات ومؤيدوه سبب الانشقاق إلى تراجع ميسواري عن تبني الدعوة لتطبيق الإسلام، وتخلي الجبهة الوطنية عن مطلب الاستقلال والاكتفاء بالمطالبة بالحكم الذاتي.
وعرف سلامات جبهته ومنهجها بالقول: إنها "مؤسسة دعوية، تربوية، جهادية، إصلاحية، فكرية، سياسية، أسست لتكون ممثلة لفكرة الحركة الإسلامية العالمية، وتتلخص أهدافها في بناء وتكوين الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة، والإسهام في العمل على تضامن الأمة الإسلامية، وتوحيد صفوفها؛ لتمهيد الطريق إلى عودة الخلافة الإسلامية المفقودة، والتمكين لدين الله في الأرض، والعمل على تحرير منطقة مورو الإسلامية المحتلة".
وكان السبب الرئيسي في الخلاف مع الجبهة الوطنية توقيعها اتفاقا مع الحكومة الفلبينية عام 1976 نص على حكم ذاتي للمسلمين في 13 منطقة تصبح 15 منطقة، إلا أنه لم يتم تنفيذ هذه الاتفاقية، واستمرت الجبهة الوطنية بعد ذلك في نهج التفاوض مع الحكومة للوصول إلى اتفاقية حكم ذاتي مرضية، في حين سلكت الجبهة الإسلامية سبيل الكفاح المسلح ضد الجيش الفلبيني والمطالبة بالاستقلال التام.
في عام 1996 وقعت الجبهة الوطنية بقيادة نور ميسواري اتفاق طرابلس الثاني مع الحكومة الفلبينية والذي أسفر عن إقامة منطقة حكم ذاتي في أربعة فقط من أصل 13 مقاطعة جنوبية، ودمج التشكيلات المسلحة للجبهة الوطنية في الجيش الفلبيني، وتولي نوري ميسواري منصب حاكم منطقة الحكم الذاتي الإسلامي في ميندناو، إلا أنه لم يتم تطبيق كامل ما نص عليه هذا الاتفاق، كما أنه لم يرضِ عددا كبيرا من المورويين وعلى رأسهم الجبهة الإسلامية؛ بسبب عدم شموله لجميع المقاطعات الإسلامية والذي جاء نتيجة للتغيرات الديموجرافية التي أدت إلى جعل الأغلبية العددية في معظم هذه المقاطعات للمسيحيين.
وفي 2001 عزلت الجبهة الوطنية ميسواري من رئاستها لعدم رضاها عن أدائه، وأعقب ذلك انقلاب نور ميسواري على العملية السلمية وقيادته مجموعة من المنشقين عن الجبهة الوطنية قامت بعمليات ضد الجيش الفلبيني، وعقب بدء الجيش في ملاحقته فر ميسواري إلى ماليزيا التي لم تلبث أن سلمته إلى الفلبين حيث حكم عليه بالسجن، وقد انقسمت الجبهة الوطنية إلى أربعة أجنحة منها جناح نوري ميسواري الذي استمر في معارضة وضعية الحكم الذاتي وشن الهجمات ضد الجيش الفلبيني.
الجبهة الإسلامية تبدأ التفاوض
حدث تغير في توجهات الجبهة الإسلامية منذ عام 1997 حيث دخلت في مفاوضات سرية مع الحكومة الفلبينية، إلا أن هذه المفاوضات لم تسفر عن شيء في فترة حكم "جوزيف استرادا" وانتهت بحملة عسكرية واسعة شنها الجيش الفلبيني عام 2000 على معاقل الجبهة.
الحاج مراد إبراهيم رئيس جبهة تحرير مورو  
وفي عام 2003 فقدت الجبهة مؤسسها التاريخي سلامات هاشم الذي كان يطلق عليه "أسد ميندناو" و "أسد الجهاد الفلبيني"، والذي يعد الأب الروحي للتيار الإسلامي في المقاومة الموروية، وتولى قيادة الجبهة منذ ذلك الحين الحاج مراد إبراهيم.
وكان سلامات قد أصدر قبل فترة وجيزة من وفاته بيانا أكد فيه على التزام الجبهة الإسلامية بالوصول إلى تسوية سلمية، وتدعم هذا التوجه في عهد سلفه حيث بدأت الجبهة تركز على الخطاب الدبلوماسي السياسي بعد أن كان التركيز منصبا في السابق على التعبوية الجهادية.
كما بدأت الجبهة في التخلي عن المطالبة بالاستقلال التام عن الفلبين، وأخذت في طرح خيارات أخرى منها كما جاء على لسان غزالي جعفر أحد قيادات الجبهة النظام الفيدرالي، أو حكم ذاتي قوي على خلاف الحكم الذاتي الحالي، أو الدعوة لاستفتاء ينظم بإشراف الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
واتفق توجه الجبهة الإسلامية هذا مع سعي رئيسة الفلبين جلوريا أرويو التي تولت الرئاسة عام 2001 للتوصل لحل نهائي لمشكلة المورو، وأدى هذا إلى إطلاق عملية تفاوض جادة بداية من عام 2005 بوساطة من منظمة المؤتمر الإسلامي التي تعترف بالجبهة الإسلامية ممثلا لمسلمي الفلبين ومن عدد من الدول الإسلامية على رأسها ماليزيا.
وانتهت المفاوضات إلى التوقيع بالأحرف الأولى عام 2008 على اتفاقية تمثل تطورا كبيرا في الحكم الذاتي الممنوح للمسلمين ليرقى إلى مرتبة قريبة من الفيدرالية؛ حيث نصت الاتفاقية على توسيع المناطق التي يحكمها المسلمون، ومنح القادة السياسيين المسلمين الحق في الحصول على الريع المستفاد من الموارد الغنية للمنطقة، وحق جباية الضرائب، وحق التمثيل الخارجي في القضايا التي تخص المسلمين، على أن تبقى الأمور السيادية الأخرى بيد الحكومة المركزية، في مقابل إعلان الجبهة عن استعدادها للتخلي عن مطالبتها بدولة إسلامية مستقلة.
وكان من المقرر التوقيع على الاتفاقية في كوالالمبور في الخامس من أغسطس 2008، إلا أن عددًا من السياسيين المسيحيين من جنوب الفلبين قدموا اعتراضا على الاتفاق لدى المحكمة العليا؛ ما أدى إلى إصدارها أمرًا بتوقيف الاتفاق بشكل مؤقت قبل يوم واحد فقط من التاريخ المزمع لتوقيع الاتفاق.
مقدمو الاعتراض تحججوا بأنه لم يتم الكشف علنا عن تفاصيل الاتفاقية، وأن توسيع منطقة الحكم الذاتي الإسلامي قد يجدد العنف الطائفي في المناطق الجنوبية، وأن الاتفاقية غير دستورية؛ لأنها تدخل في نطاق الحكم الفيدرالي الذي لا يقره دستور الفلبين، في حين أن الرئيسة الفلبينية جلوريا أرويو كانت قد وعدت في وقت سابق بتعديل الدستور بشكل يسمح بتطبيق الاتفاقية، وفي أكتوبر 2008 أصدرت المحكمة العليا حكما يقضي بأن الاتفاق غير دستوري بدعوى أنه يؤدي لاستقلال نهائي للأقلية المسلمة في جنوب البلاد.
عودة المواجهات
تبع إيقاف توقيع الاتفاق تجدد المواجهات بين الجبهة والجيش الفلبيني؛ ما أدى إلى إعلان الحكومة الفلبينية وقف محادثات السلام مع جبهة تحرير مورو الإسلامية، واشترطت الحكومة للعودة للعملية السلمية أن تقوم الجبهة الإسلامية بإلقاء سلاحها، كما ظهر حديث عن إعادة التفاوض حول عدد من القضايا التي سبق أن تم الاتفاق عليها.
وجاء رد الجبهة بأن هذا الاتفاق نهائي وغير قابل لإعادة التفاوض، وأنه لا يمكن لمنظمة ثورية أن تلقي سلاحها قبل التوصل إلى حل سياسي متفق عليه، وأن الجبهة ستواصل الضغط على الحكومة سياسيا وعسكريا لحملها على احترام الاتفاق، وأنه في حالة العودة للتفاوض لابد أن تكون هناك ضمانات دولية لتطبيق الاتفاق من قبل الحكومة، كما أعلنت الجبهة عزمها تدويل القضية من خلال نقلها إلى الأمم المتحدة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومحكمة العدل الدولية.
وتعتمد الجبهة الإسلامية في عملياتها العسكرية على استهداف الجيش الفلبيني، إلا أن الحكومة توجه لها الاتهامات بالوقوف وراء هجمات استهدفت المدنيين خاصة بعد إلغاء التوقيع على الاتفاقية الأخيرة، ولكن الجبهة تنكر مسئوليتها عن مثل هذه الهجمات، وفي بعض الحالات أعلنت أن منشقين عنها هم من قاموا بها؛ إذ إن الجبهة تواجه الآن عددا من الانشقاقات يرى قادة الجبهة أن الحكومة الفلبينية تقف وراءها من أجل إضعاف الجبهة، ولإثبات أن هناك آخرين يمثلون شعب المورو.
وتقول الجبهة إن عدد أعضائها 120 ألفا 60% منهم مسلحون، في حين تقول مصادر أخرى إن عددهم أكثر بقليل من 12 ألف مسلح، وقد أدت الصدامات المستمرة بين الجبهة الإسلامية لتحرير مورو والجيش الفلبيني إلى مقتل حوالي 120 ألفا، وتهجير قرابة مليوني مسلم فلبيني إلى ولاية صباح الماليزية المجاورة.
ويعتقد عدد من المسئولين الحكوميين الفلبينيين والأمريكان بوجود روابط بين جبهة تحرير مورو الإسلامية وبين تنظيم القاعدة والجماعة الإسلامية في إندونيسيا، ويستندون على مشاركة عدد من أعضاء الجبهة في الجهاد الأفغاني، وبعد ذلك في معسكرات تدريب للقاعدة في أفغانستان، ويقولون إن الجبهة قامت بتدريب عدد من أعضاء الجماعة الإسلامية في معسكراتها، إلا أن الجبهة تنفي أي علاقة تنظيمية مع القاعدة أو الجماعة الإسلامية، كما تؤكد على محلية نطاق نضالها واقتصاره على الفلبين، ويصور قادة الجبهة نضالهم على أنه يسعى لتحقيق مطالب المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويتجنبون اعتباره صراعا دينيا بين المسلمين والمسيحيين.
صحفية من أسرة موقع الإسلاميون (طرق وحركات)